في ذاكرة الشعوب صفحات لا تصل إلى الكتب، وحكايات تبقى محفوظة في صدور الرواة، وأسماء وأحداث قد تختفي إن لم تجد من يصغي إليها ويسجلها. ومن هذا الإحساس بالمسؤولية يأتي كتاب حارس ذاكرة الشرق، بوصفه محاولة توثيقية صادقة للاقتـراب من سيرة الأستاذ طاهر علي همد، ومن الذاكرة الثقافية والاجتماعية التي يمثلها حضوره في شرق السودان. يتناول الكتاب اهتمام طاهر علي همد بتاريخ البجا، والرواية الشفوية، واللغات القديمة، والنقوش، وأسماء الأماكن، وقضايا الهوية والانتماء. كما يصحب القارئ إلى كسلا وود شريفي، ويعرض جوانب من ذاكرة البني عامر والمجتمعات البجاوية، وصلاتها الإنسانية والثقافية الممتدة إلى إريتريا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. لا يقدم الكتاب سيرة نهائية، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. فبعض مراحل حياة صاحب السيرة ما تزال في حاجة إلى مقابلات ووثائق أصلية. ولذلك يفرق المؤلف بأمانة بين المعلومة الموثقة، والرواية المتداولة التي تحتاج إلى التحقق، والتحليل الذي يساعد على فهم سياقها التاريخي والثقافي. تنبع أهمية الكتاب من دعوته إلى احترام المعرفة المحلية، وحفظ أصوات الرواة والباحثين، وجمع تسجيلاتهم ومحاضراتهم ومخطوطاتهم قبل أن تتعرض للضياع. ويمنح القارئ مدخلاً واضحاً لفهم العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، وبين الإنسان والمكان، وبين اللغة والهوية. يُقدَّم هذا العمل بكل تواضع ومحبة وتقدير إلى أهل شرق السودان وإريتريا، وإلى أهل كسلا وود شريفي، وإلى البجا والبني عامر وسائر مكونات المنطقة. كما يتوجه إلى المؤرخين والباحثين والطلاب والمثقفين والمؤسسات المعنية بحفظ التراث. حارس ذاكرة الشرق قراءة في حياة باحث، وحكاية مكان، ودعوة إلى صون ذاكرة مجتمع؛ لأن ما لا يُدوَّن اليوم قد يصبح غداً جزءاً مفقوداً من التاريخ.